السيد علي الحسيني الميلاني
48
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
فإنما قاله من قاله منكراً على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة ، فكأنه قال كيف تتوقف ؟ أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟ امتثل أمره وأحضر ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق . قال : هذا أحسن الأجوبة . قال : ويحتمل أن بعضهم قال ذلك من شك عرض له ، ولكن يبعد أن لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة ، ولو أنكروه عليه لنقل . ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته . وقال غيره : يحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتدّ وجعه وأطلق اللاّزم وأراد الملزوم ، لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدّة وجعه . . . . قلت : ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام ، وكان يعهد أن من يشتدّ عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله ، لجواز وقوع ذلك . ولهذا وقع في الرواية الثانية : فقال بعضهم : أنه قد غلب عليه الوجع . ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن خلاد عن سفيان في هذا الحديث : قالوا ما شأنه يهجر ؟ استفهموه . وعند ابن سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير أن نبي اللّه يهجر » ( 1 ) . وقال العيني في شرح البخاري : « وفي كتاب الجهاد هجر بدون الهمزة . وفي رواية الكشميهني هناك هجر هجر رسول اللّه بتكرار لفظ هجر . وقال عياض : معنى هجر أفحش ، ويقال هجر الرجل إذا هذى وأهجر إذا أفحش . قلت : نسبة مثل هذا إلى النبي لا يجوز ، لأن وقوع مثل هذا الفعل عنه عليه الصّلاة والسلام مستحيل ، لأنه معصوم في كلّ حاله في صحته ومرضه لقوله تعالى : ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) ولقوله : إني لا أقول في الغضب والرضا إلاّ حقّاً . وقد تكلّموا في هذا
--> ( 1 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 / 101 .